بين ابن المدينة وابن القرية

 حوار
((بين ابن المدينة وابن القرية ))

           * فتى المدينة : ( مخاطبا صديقه فتى القرية الذي يتأهب للسفر إلى قريته ... )
      * إلى أين ياصديقي ؟ أراك تحملُ أمتعةَ السَّفر !!
  • فتى القرية : إلى قريتي الحبيبة ... لقد طالَ غيابي عنها
  • فتى المدينة : يبدو أنَّكَ في شوقٍ إليها !!
  • فتى القرية :  أجل ياصديقي .. وبأشدِّ الشَّوق ، وكيف لاأشتاقُ إلى مغانيها الزاهية ، ورباها الخضراء ، وإلى مراتع صِباي !!
  • فتى المدينة : هوِّنْ عليكَ ... ماهي إلا قرية ، لاتستحقُّ كلَّ هذا الحبَّ والشَّوق .
·      فتى القرية : سامحكَ اللهُ يا أخي ... والَّلهِ إنها لتستحقُ أكثر وأكثر
·      فتى المدينة :  ياللعجب ... إذن ماذا أقول عن مدينتي الواسعة بحدائقها ومرافقها وأحيائها وأبنيتها الإسمنتية الشاهقة , ...
·      فتى القرية : قل عن مدينتِكَ ماشئتَ ...  فليس في الدنيا مثلُ قريتي الهادئة الآمنة ، وطبيعتها السَّاحرة ، وهوائها المحمَّل بالأشذاء .
·      فتى المدينة : ويحك يافتى ... في مدينتي المدارس والمعاهد والجامعات ، وفي مدينتي مصادر التَّعلُّم من تقنيات ومكتبات ، وفيها مراكز للتدريب ومواقع للحاسب الآلي  و...
·      فتى القرية : ( يقاطعه ... قائلا : ) وفي مدينتِك مالا عينٌ رأت ولا أُذُن سمعت ... كفى ... كفى ... ياصديقي العزيز  . إنَّ قريتي لاتخلو من مدرسة  ، وفيها ماتحتاجه من وسائل التَّعلم  لمَن صدقَ في طلبِ العلم ، وابتعد عن المُلهيات .
·      فتى المدينة : لا . لا . أين قريتُك من أسواق مدينتي العامرة بأنواع السِّلع ، بل بعجائب الأطعمة والأشرية  ؟ أين قريتُك من وسائل النَّقل في مدينتي من  أنواع السَّيارات والمركبات  وأنظمة السَّير ، وإشارات المرور ، والدوائر الحكومية ، والمستشفيات ؟ أين قريت......ك
·      فتى القرية : ( يقاطعه مرة أخرى  قائلا :) وأين ... وأين ... ماتقوله صحيح وجميل ياعزيزي ، ونحمد الله الذي يسَّر للناس هذه النِّعم ،  وإنَّما لكلِّ موقعٍ حاجاتُه وإنجازاتُه ، ولكنْ ياصديقي تبقى قريتي الأفضل ... قريتي آمنةٌ مطمئنَّةٌ لم يُدهَسْ فيها مخلوق ، ولم يشبَّ فيها حريق ، بل ليس فيها من المزعجات التي تعجُّ بها مدينتُك الحضارية ...
·      فتى المدينة : لتقلْ هذا  ياصديقي . إنَّ الله سبحانه وتعالى وهبَ العقل للإنسان  كي يبدعَ ويخترع ، ويطوِّر حياته ويستفيد ، وفي هذا سعادة له ولوطنه .
·      فتى القرية : على رِسلكَ أيُّها الفتى ... ماكانت السعادة الحقيقية إلا في راحة البال ، وصفاء الأحوال ، إنني أجلس فوق مروج قريتي الخضراء ، أتأمل سهولَها الممتدة المعشوشبة ، وسماءَها الصَّافية ، وسواقيها الرقراقة ... فأُسبح الله على قدرته وفضله ، وأنتم في المدينة قد لاترون القمر حين يظهر ، ولا النجوم وهي تتلألأ في كبد السماء ...
·      فتى المدينة :  لا أُنكرُ عليك غبطتك بما تشعرُ به من سرور لجمال الريف ، ولكنْ لاتنكر عليَّ الإنجازات المتجددة والمتطورة في مدينتي ...
·      فتى القرية :  ( يتبسَّم ... قائلا : ) اسمعْ ياهذا ... كم رأينا من أهل المدينة مَن يهربون منها إلى الريف والبوادي طلبًا لِما يفقدونه في مدينتهم التي تحاصرُها الضوضاءُ ، وينغِّص عيشَ أهلِها الضِّيق ...
·      فتى المدينة :  إنَّهم يحبُّون المتنزَّهات !!!
·      فتى القرية : لا . قُلْ  إنهم يحبون هجرَ الأعباء ،  ويبتعدون عن المشاكل ، ويتعطشون إلى نسائم الحقول المنعشة ،  وشقشقة العصافير الجميلة ، وتغريد البلابل  ، ألم  تَـــرَ على وجوههم آثار السعادة والبِشر  ...
·      فتى المدينة :  أنا أعترفُ لك مرَّةً أخرى بما حبا الله عزَّوجلَّ قريتَكم من أسباب السعادة والطمأنينة ... ولكنْ ...
·      فتى القرية : ( يقاطعه أيضا . قائلا : ) ولكنْ . ماذا ؟  ماذا تريدُ أن تقول ؟
·      ( يقدم في هذه اللحظة أحد الرجال  ... )
·      الرجل : السلام عليكم ورحمة الله .
·      الفتَيَان كلاهما : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ... أهلا ياعم .
·      الرجل : كنتُ أرقبُكما وأنتما تتحدثان ، وأعجبني هدوءَكما في حواركما ، وجمال منطقكما ، ولمَّا أطلتُما ... قلتُ أستأذنهما في مشاركتهما فيما هم بصدده ، فهلا أخبرتماني ــ إن لم يكن في ذلك حرج لكما ــ عمَّا تتحاوران فيه ؟
·      الفتَيَان  كلاهما: حيَّاك الله ياعمُّ ... إنَّ مشاركتك لنا تسعدُنا .
·      فتى القرية :  وربما كنتَ  حكما عدلا بيني وبين صديقي هذا .
·      فتى المدينة : أجل ياعمُّ ... إنَّ صديقي يفخر عليَّ  بجمال قريته ، ويريد أن يقنعني بأنها أفضل من مدينتي .
·      الرجل : ( موجها حديثه لفتى القرية )وأنتَ ماتقولُ يابُنيَّ ؟
·      فتى القرية :  إن صديقي يفخر عليَّ بما في مدينته من مظاهر حضارية متقدمة ، وكأنَّه يريدني أن أهجرَ قريتي الحبيبة ، وأرضى بسكنى هذه المدينة الصَّاخبة .
·      الرجل :  ( يبتسم ... ويربت على كتفيهما . قائلا :)
بارك اللهُ فيكما . كلٌّ منكما محقٌّ في حبِّه لمسقطِ رأسِه ، في قريته أو مدينته . وللمدينة ــ يا أبنائي ــ مزايا لاتوجد في القرية ، وفي القرية مزايا لاتوجد في المدينة .  ولولا هذا التفاوت في المكان والمكانة  ــ ياصغيريَّ العزيزين ــ لَمَـا كان حواركما جميلا ومفيدا وصادقا .  كلٌّ منكما يعبر عن حبه وإخلاصه لوطنه الصغير ... المدينةِ أو القرية ... وهذا الحب والوفاء يحلقُ بكما إلى حبِّ  وطنكما الكبير  ، وحب الوطن من الإيمان  ، كما تعلمان .  ولقد التقيتُما تحت هذه المظلة المباركة من حيثُ  لاتشعران ، فبارك الله فيكما ، وفي وفائكما وحبكما .